ابن حجة الحموي

230

خزانة الأدب وغاية الأرب

يمكن المشي عليه مستحيل عقلا وعادة إلا أنه تخيل حسن مقبول وقد وقع للقاضي الأرجاني جمع فيه بين الشيئين الموجبين للقبول والتقريب وهما ما جرى بهما مجرى كاد والتخيل الحسن وذلك قوله يخيل لي أن سمر الشهب في الدجا * وشدت بأهدابي إليهن أجفاني فقوله يخيل لي هو الجاري مجرى كاد فإنه جعل الأمر توهما لا حقيقة وأما التخيل الحسن فهو ما ذكر من تسمير الشهب ود أجفانه إليها بأهدابه وجعل الأهداب بمنزلة الحبال ولا يخفى ما في هذا من التخييل الحسن وأما الغلو الذي هو غير مقبول فكقول أبي نواس فلما شربناها ودب دبيبها * إلى موضع الأسرار قلت لها قفي مخافة أن يسطو علي شعاعها * فيطلع ندماني على سري الخفي قالوا إن سطوة شعاع الخمر عليه بحيث يصير جسمه شفافا يظهر لنديمه ما في باطنه لا يمكن عقلا ولا عادة ومنه قول بعضهم أسكر بالأمس إن عزمت على * الشرب غدا إن ذا من العجب فسكره بالأمس بسبب عزمه على الشرب غدا مما لا يمكن عقلا ولا عادة أيضا ومنه قول أبي نواس وأخفت أهل الشرك حتى إنه * لتخافك النطف التي لم تخلق وهذا الذي قاله أبو نواس أيضا أمر مستحيل فإن قيام العرض الموجود وهو الخوف بالمعدوم وهي النطف التي لم تخلق لا يمكن عقلا ولا عادة ومن ألطف ما يحكى هنا أن العتابي الشاعر لقي أبا نواس فقال له أما تستحي من الله بقولك وأخفت أهل الشرك البيت فقال له أبو نواس وأنت أيضا ما استحيت من الله بقولك ما زلت في غمرات الموت مطرحا * يضيق عني وسيع الرأي من حيل فلم تزل دائبا تسعى بلطفك لي * حتى اختلست حياتي من يدي أجلي فقال العتابي قد علم الله وعلمت أن هذا ليس مثل قولك ولكنك أعددت لكل سؤال جوابا ومنه قول بعضهم قد كان لي فيما مضى خاتم * واليوم لو شئت تمنطقت به وذبت حتى صرت لو زج بي * في مقلة النائم لم ينتبه ومثل هذا أيضا لا يقبله العقل ولا عليه رونق القبول قلت ومراتب الغلو تتفاوت إلى أن تؤول بقائلها إلى الكفر فمن ذلك قول ابن دريد مارست من لو هوت الأفلاك من * جوانب الجو عليه ما شكا قيل إنه لأجل هذا البيت والادعاء العظيم الذي ادعى فيه ابتلي بمرض كان فيه يخاف من الذباب أن يقع عليه ومنه قوله ولو حمى المقدار عنه مهجة * لرامها أو تستبيح ما حمى تغدو المنايا طائعات أمره * ترضى الذي يرضى وتأبى ما أبى ومثله قول أبي الطيب كأني دحوت الأرض من خبرتي بها * وكأن بنى الإسكندر السد من عزمي هذا أيضا من الغلو الذي يؤدي إلى سخافة العقل مع ما فيه من قبح التركيب وبعده عن البلاغة وأقبح من هذا كله قول عضد الدولة ليس شرب الراح إلا في المطر * وغناء من جوار في السحر غانيات سالبات للنهي * ناغمات من تضاعيف الوتر مبرزات الكأس من مطلعها * ساقيات الراح من فاق البشر عضد الدولة بان ركنها * ملك الأملاك غلاب القدر